بعد قليل

أعلم أنه موضوع مكرر، ومستهلك و….. لكنه مستمر، هذه مصيبته. أريد أن أكتب نصاً في هجاء الكهرباء، إنها تشبه حبيباً يقدم الوعود والهدايا لحبيبته ثم يغيب ولا يسأل عنها أبداً، يأتي زيارة بلا حماس، ويعاود المغيب، بينما تجده في كل الأماكن مع غيرها، يأخذ الصور وينشرها، دون أن يخفي ذلك.

لن تعتاد، صدقني، ربما تتناسى قليلاً لكنك لن تشعر قط أن حياتك طبيعية لا ينقصها شيء، غياب الكهرباء يجعلك تكره كل المواسم، وكل الفصول، في الشتاء تنتظر الدفء والصيف والشمس، تحت الكثير من الأغطية الثقيلة يبدو العالم مزعجاً وكئيبا ولا يحتمل، مع الظلام الدامس ورائحة المدافئ التي بالكاد تشتعل وتسعل علينا رمادها، أما في الصيف فتبحث عن أي ظل أو برودة،  فتشعر أنك تشبه مادة السلايم، لست أكثر حظاً من كيس الملوخية الذي يشعر بالحر في الثلاجة المنطفئة، تحاول أن تنسى وتخرج  فتمتزج لسعات الشمس مع جداول السوائل التي تفرزها حاويات القمامة الممتلئة وتصبغ معظم الشوارع، تشعر أن هذه السوائل تشبه الكثير من الأشياء التي تصادفك، قمامة تفرز خلاصة القمامة، وتنشرها في كل مكان.

الكهرباء في سوريا تبقيك في حالة انتظار دائمة، لا تستطيع أن تنسى الزمن، ستنظر إلى الساعة وأنت تراقب برامج التقنين المتبدلة نحو الأسوأ: هل أتت؟ متى ستأتي؟ لماذا لم تأت بعد؟ كل شيء يعتمد عليها، الجو، والطعام، والمناسبات، والعمل، والملابس، والتسلية، والإنجاز، و…. الإنسان الذي يعيش حالة انتظار دائمة يصاب بالوهم الممزوج بالتماهل والتأجيل، بعد قليل ستأتي الكهرباء الشحيحة، بعد قليل سيتغير كل شيء إلى الأفضل، بعد قليل سأفعل وأفعل،… هذه الـ “بعد قليل” ربما تمتد لسنوات، تصبح النفسية أشبه بقطة تستلقي تحت سيارة في الحر، تشعر أنها تأخذ الأمان والفيء المؤقت عنوة، ولا تريد أن تفعل أي شيء.

كما استطالت رقبة الزرافة لتتناول ورق الشجر، ويتبدل لون الحرباء كي تتخفى من الخطر، تخيلت أنه ربما يأتي يوم ويخرج الإنسان الضوء من عينيه ليرى دون إنارة كهربائية، أو ينفث من فمه كالتنين الهواء الساخن شتاء والبارد صيفاُ وبعض النار للطبخ والتسخين، أو يخرج العجلات من باطن قدمه ليتنقل بسرعة، أو يشحن هاتفه وحاسوبه من طاقة غضبه عبر فتحة لوصلة usb خلف أذنه.

ربما ليس ذنبها أنها مفقودة، لكنني بت أكره كلمة كهرباء، أكره النكات اللزجة التي تتناولها، والأكثر أنني أكره حاجة الإنسان إلى كل الأشياء المفقودة.

أسئلة ورا أسئلة

لماذا تعمّد الإنسان اختراع آلات تزن كل شيء إلا الشعور؟
القلوب أغصان رقيقة نبحث عن فأس لنقطعها، هل ستنمو لنا قلوب أقوى؟
الشمس بخيلة، لم لا تعلمنا كيف ومتى نشرق أو نغيب؟
الشخص المصاب بالثقة العمياء يحتاج العصا للطريق، لماذا لا تساعدونه على عبور الحياة دون أن يدهسه أحد؟
لا يتجدد جواز السفر بنفسه، لماذا إذن يتجدد جواز البقاء؟
حين توقف بيع الصحف والجرائد، لماذا لم يأخذ أحد رأي زجاج النوافذ؟
حين تتحدث عن جمال الورد، لماذا لا تلاحظ حكمته في الذبول والموت قبل المزيد من العناء؟
الواقع مشوه أكثر بكثير من الوجوه والصور، لماذا لم يستطع أي فلتر تجميله حتى الآن؟
كعادة الذين يبحثون ويذيعون عن الأطفال الضائعين في المآذن، لماذا لم ينادي كل الذين ضاع مستقبلهم؟

بين القمر والبيتزا

البارحة كانت السماء جميلة، لفتني مشهد القمر المكتمل، كان ساحراً بوضوح. لماذا نحب القمر المكتمل؟ سألت نفسي بعد أن اقتنعت أن الجو في الخارج أبرد مما يُحتمل عادةً.

هل نحب هيبته المضيئة التي يبسطها على امتداد محيطه المظلم؟  أم نحبه لأنه يجسد الاكتمال؟ اكتمال الجمال، اكتمال الضوء، اكتمال قدرتنا على رؤيته بالكامل.

القمر هو نفسه، لكننا نهتم بشكل خاص بظهوره كاملاً. ربما نفس الشيء يحدث مع الإنسان لا يحصل على الإعجاب اللازم إلا إذا اكتمل فيه شيء ووضح كما الضوء في الظلام، كالمهارات، الدراسة، الشكل، الإنجازات الملموسة المكتملة. هذا السعي المحموم نحو تحقيق كل شيء بكل كامل، وحتى النهاية مرهق ومجحف، السعي نحو الصورة الاجتماعية الكمالية يتطلب بذل ما لا يعد ولا يحصى من الجهود التي غالباً لا تتكلل بالاكتمال. ولا أحد يقدّر الأشياء الناقصة -الطبيعية بنقصها- كما يجب.

الكثير من الطلاب يجبرون على ترك دراستهم قبل التخرج ببضعة مواد دراسية، أو حتى مادة دراسية واحدة، ومع ذلك كل الأنظمة والمجتمعات والشركات تتعامل معهم على أنهم بلا شهادة جامعية. وكذلك على مستوى الشكل، لا بد لمن استمع لحديث نساء عدن لتوهن من زيارة لطلب يد فتاة أن يعرف تماماً ما الذي أقصده، “جذابة، لكنها سمراء”، “جميلة لكنها بدينة”، “طويلة لكنها ليست أنيقة”… من المستحيل أن توصف امرأة أنها كاملة، مع أن الجميع يعلم حقيقة ألا وجود لشخص مكتمل الصفات، وأن الكمال لله وحده، لكن مع ذلك يستخدمون الكمال مسطرة تقيس كل شيء في الإنسان، وتضربه بالذم عند أول نقص يرونه، والإنسان يكون أكبر ضحايا نفسه، بعد أن يحمل هذه المسطرة.

المجحف في فكرة تقييم اكتمال الإنسان، أن الكمال والنقص ليسا من المعايير والمفاهيم الواضحة تماماً والقابلة للقياس بسهولة، فالقهوة السادة هي مكتملة عند شخص وناقصة عند آخر، وبهارات الطبخ مختلفة الاكتمال والنقص من منطقة لأخرى، وعين الإنسان أيضاً كذلك، على رأي إحدى الأغنيات: “لاموني اللي غاروا مني وقالولي وش عجبك فيها، جاوبت اللي جهلوا فني، خدوا عيني وشوفوا فيها”.

وإذا افترضنا جدلاً أن معايير اكتمال صفات الإنسان واضحة، لماذا لا يحتفى بالنقص من إنسان كل ما فيه جيد، بعض النمش على البشرة يمنحها طابعاً خاصاً، والتجارب الفاشلة في حياة الناس تجعلهم أكثر حكمة وتفهماً، واللوحات غير المكتملة تعطي عيونك شعوراً أنها تستطيع إضافة ما تريد، والهلال الذي يرافقك أثناء مشيك مع من تحب أحب إليك من ألف بد مكتمل، حتى المثلث الناقص من دائرة البيتزا ربما أخذه الشيف ليتأكد من لذة ما يقدمه لك، هل ستفضل بيتزا بلا طعم مميز؟

أمنيات من بعيد لبعيد

قبل أن أنام تصفحت لوائح حقوق الإنسان العالمية بسبب منشورات وجدتها تتحدث عن حقوق الأطفال. في الصباح راودني سؤال: لماذا لا يكون هناك حق في عدم فعل أي شيء؟ كالقطط المنزلية المدللة التي تمتلك وقتها كاملاً، أو جزء من الحق حتى لو بشكل مؤقت؟

تنتابني رغبة كبيرة في البقاء في غرفتي، والاستمتاع بيوم كامل بلا فعل أي شيء، لكن ذلك لن ينفع، الذهاب إلى العمل ليس رفاهية.. إنه ضرورة تجعلك تتخلى عن دفء السرير ونعومة الوسادة، وتترك يد النعاس لتواجه الهواء شديد الصقيع في الصباح، وتعبس في وجه السيارات التي لا تحترم رغبتك في قطع الشوارع قبلها، وتصعد الطوابق الكثيرة في البرج ذي المصعد المعطل.

حتى الكلام… يرن الهاتف، أشعر بالرغبة بأني لا أود الرد، لكنني مضطرة للرد. نحتاج أوقات نصفّر فيها عدادات عقولنا المشغولة بالكثير من الأشياء في وقت واحد لدرجة قد تتساقط منها أشياء مهمة دون أن تلاحظ ذلك، وكأن الأمر يشبه الدخول إلى مدجنة فيها مئات الصيصان والدجاجات والجميع يستخدم صوته، قد تمر جمل مهمة يقولها أحد الصيصان لكن الضجيج مرتفع في الداخل ولا تنفع الجدران عازلة للصوت، التي تبقي الطابع الخارجي هادئاً.

لكن هل ستبقى الرغبة نفسها إن تحول ذلك الحق في عدم فعل شيء إلى الإجبار على عدم فعل أي شيء؟ بالتأكيد لا.

منذ فترة ظهر على فيسبوك تعليق لشخص يقول ان واحداً من أمنياته العيش على جزيرة معزولة، شعرت بضيق في الصدر لمجرد التخيل، جزيرة معزولة يعني عدم وجود كهرباء ولا انترنت ولا اتصالات ولا فرص ولا مناسبات ولا أصدقاء. أشك أنه اختبر أياماً باردة وليلاً طويلاً بلا كهرباء ولا وسائل تواصل. تماماً كما يحدث حين يتحدث أحد بحسرة أن يا ليته يعيش في ريف بعيد عن تعقيدات المدن، هو نفس الشخص الذي لم يجرب عن قرب معنى أن تشقق الأقدام واليدين من خشونة العمل في الأرض، والأمر نفسه يحدث عند سماع كلمات المغتربين عن الحنين إلى أوطانهم، وتمني العودة، وهؤلاء أنفسهم لن يقبلوا العيش فيه لفترة أطول من إجازة، وكذلك المرأة التي تتحدث طويلاً عن اللاإنجابية وعن ضرورة منع العائلات الفقيرة من الإنجاب، ولكنها عند أول معلومة طبية تتلقاها عن صعوبة إنجابها ستشعر بحسرات العالم أجمع على شعورها المفتقد للأمومة، لأننا ببساطة نتمنى الأشياء البعيدة لأننا لم نتعرض لضربات سياطها اللاذعة، ولم نتألم من آثارها ولم نحصي ندباتها، أما عندما يتعلق الأمر بشيء اختبرناه فنبتسم للآخر بسخرية ونقول: “عن جد هيك عم تتمنى؟!”

داخل صندوق الصور

لم تكن زيارة بيت الجد هذه الجمعة عادية، تتابعت الأحاديث ووصلت إلى نقطة جعلت صندوق الصور القديمة يُفتح، الصور تنتقل من يد إلى يد، دهشة وحنين ومشاعر دافئة ممزوجة بغصة، يا الله كم كبر كل الناس الذين كانوا في الصور!
للصور بالأبيض والأسود هيبة لافتة، حتى الملونة القديمة منها أحب تلك الألوان للشمس فيها دفء خاص، وللابتسامات فيها عمق يطمئن. أخبروني أن الفتيات في ذلك الزمن كن يصففن شعرهن فقط لأجل التصوير في الاستديو، في كل استديو فنان يبذل كل جهده لتكون الملامح أجمل والنظرة أرق، كان يحتفظ بأقلام أحمر الشفاه لأجل أن يقدمها للفتيات التي يغيب عن بالهن أن لون الشفاه حتى لو كان بالأبيض والأسود يمنح الصورة جمالاً خاصاً.
مع تتابع أحاديث الذكريات لفتني أن الجميع كان يستجيب ويبتسم بمجرد ظهور الكاميرا، إنها فرصة لأن عدد الصور في فيلم الكاميرا محدود. بعض الصور كانت تحمل إهداءات الاشتياق من بلد لآخر، صور مقصوصة لتناسب حجم الظرف الورقي للرسالة، مررت يدي فوق تلك الكلمات، تراقص قلبي لفكرة أن هذه الكلمات مكتوبة بحب، ووصلت إلى أصحابها وبقي الأثر في الصندوق.
كل ذلك جعلني أفكر، هل تغيرت العلاقات كما تغيرت الصور؟ هل صارت المشاعر سهلة مؤقتة وتختفي بلا أثر؟ هل صارت قيمتها أقل من الاحتفاظ بها داخل إطار حقيقي؟ هل انعدمت اللهفة لرؤيتها بعد التقاطها؟
كنت طفلة في آخر مرة ركضت فيها إلى الاستديو لتحميض الصور الخاصة بعيد ميلادي مع صديقات المدرسة، وحين أصبحت في السنة الأولى من الجامعة حصلت على جائزة التفوق، كان المبلغ يومها كافياً لشراء كاميرا رقمية، أول خيار خطر لي، لكن في المرة الأولى التي حاولت التصوير فيها كانت الأيام عصيبة، حصلت مباشرة على حجر كاد يكسر النافذة، جلست على الأرض بلا أي ضوء، وشت بي حركة الستارة، في تلك اللحظة لم يكن هناك صورة في الكاميرا، الصورة كانت وبقيت فيلماً داكناً داخل قلبي.
تخيلت أن داخل كل قلب صندوق صور، لكل شخص ألبوم من الصور، يختلف جمالها حسب نظرة صاحب القلب. لو كان للإنسان أن يرى صوره داخل قلوب الآخرين، لا أعرف إن كان ذلك سيسبب له السعادة أم التعاسة لكن بكل الأحوال سيوفر عليه الكثير من التساؤلات.

البحث عن الاستمرار

نظرت إلى عدد التدوينات في تحدي التأمل، إنه اليوم السادس، لا أعرف بالضبط ما الذي يجعلني أستمر؟ أهو الشعور بالالتزام؟ أم الرغبة في الثرثرة لتعويض أوقات الصمت في اليوم؟ أم أنها رغبة في تطوير مهارة الكتابة اليومية؟ أم أنها الحاجة إلى الشعور بالإنجازات البسيطة القابلة للإحصاء؟

الاستمرارية عنوان مختصر لكنه يخبئ الكثير من الأسرار، لكل منا أسراره، منذ فترة قرأت مقالات تتحدث عن الروتين اليومي الذي يجعل الكتّاب يستمرون، لفت نظري انتظار واحدة منهم ليوم محدد في العام لتبدأ كتابة رواية جديدة، آخر كان يكتب واقفاً، وغيره كان يتعمد أن يكتب عارياً وبمكان يخلو من الملابس كي لا تساوره نفسه في الخروج قبل إنجاز الكتابة، ومنهم من كان يكتب بسبب التزاماته المالية التي تضع الإفلاس بديلاً وحيداً عن الاستمرار في الكتابة يومياً.

بنفس الوقت أفكر في مشروع الرواية الجديدة التي أنوي إتمامها، يجب أن أغذي الدوافع التي باتت تصدر أصواتاً يشبه صرير الأبواب الصدئة كلما جربت فتحها. أثناء صعود سبعة طوابق كنت أفكر في كل الأسباب التي تجعلني أستمر، واحد منها الالتزام تجاه الآخرين، أشعر بتأنيب الضمير إن اضطررت للتأخر عن أي موعد لعدة دقائق، الأمر نفسه يحدث عند وعدي لأي شخص بتسليم أي عمل، من السهل التسامح مع النفس والمماطلة معها، لذلك تروق لي فكرة تحويل الكتابات الشخصية إلى مشروع التزام مع الآخرين، لا أعلم بالضبط كيف، لكنني سأحاول.

منذ عدة سنوات شاركت في تنظيم فعالية صالونTEDx  بحمص، كان عنوانها العريض “الاستمرارية”، كانت المرة الأولى التي أكتب فيها قصصاً عديدة لفكرة واحدة، والمرة الأولى التي أقرأ فيها بالميكرفون لمدة طويلة على الملأ، وصلتني تعليقات عديدة تضمنت تشجيعي على تسجيل صوتي في قناة ساوند كلاود، أحببت الفكرة، قلت لنفسي سأسجل سأستمر، لكن لم ألتزم مع نفسي، صار ذلك بحد ذاته قصة إضافية عن الأشخاص الذين فجأة شعروا بعد زمن أنهم لم يستمروا كما يجب، ربما لم يفت الأوان كثيراً (قليلاً فقط).

الطبيعة أيضاً ملهمة كبيرة لفكرة الاستمرارية، لا يتوقف فيها إلا ما يموت.

تأملات مع الكيس الطائر

كانت الرياح قوية جداً اليوم والهواء يكاد يقتلع النوافذ والأبواب، تسمرت أمام الواجهة الزجاجية لأراقب تطاير الأشياء، الكثير من الغبار والكثير من الأوراق، قطعة ملابس هاربة من حبل الغسيل، وكيس فارغ يطير وكأنه يرقص في الهواء، يحرك أكتافه يتقلب بخفة ولامبالاة رهيبة يرتفع وينخفض، بسهولة وكأن جسده لا يعنيه.
طوال هذه اللحظات كنت أتخيل أنني مكان الكيس، أطير وأعلو وأسرع ويحملني الهواء دون أن يشعر، ودون أن ينتبه أحد. حين كنت صغيرة كنت متأكدة أنني حين أكبر سيكون اختراع الأجنحة الشخصية شائعاً، لكن الكيس ذكرني أنني صرت أنتمي إلى عالم الكبار دون أن أتمكن من الطيران، في الحقيقية كنت متأكدة من كثير من الأمور التي لم تتحقق، إن التقيت بليلى الطفلة لا أعرف كيف سأخبرها أن الكهرباء صارت حلماً كما كانت الأجنحة.
يخبرني أحد على سبيل المزاح أن انتبه كي لا أطير، أريد عليه: يا ريت. ماذا سيحدث لو امتلكنا أجنحة؟ هل سنتمكن من الطيران دون قيود؟ لا أظن ذلك، الإنسان كائن شرير، سيخترع ما يقيد بني جنسه حتى لو اضطر لبناء سياج شائك يرتفع إلى حدود الغلاف الجوي. وهل يا ترى ستشعر بالخفة إن تمكنا من التحليق؟
في تلك اللحظات لم يغريني الطيران كفعل يحتاج المجهود، بل فكرة الطيران دون مجهود ودون تفكير بانسيابية رقيقة، مع الشعور بأنك خفيف على الحياة، بهموم أقل ومشاغل أقل ومخاوف أقل، إذ ليس من المعقول ألا يتناثر كل ذلك عند الرقص في الهواء كما يفعل الكيس بعد أن فرغ من كل ما يثقله، ربما سيعلق الكيس في غصن شجرة يابس، لكنه على الأقل شاهد العالم بشكل أوسع وتخفف من كل شيء.
في إحدى محاضرات الجامعة كان الدكتور يخبرنا أن الصوت لا يندثر، وأنه حين فتُحت إحدى مدافن الفراعنة المحكمة الإغلاق سمعوا صوتاً مخزناً داخلها صدر في اللحظة التي فتحت فيها الحجرة المغلقة.
أحببت فكرة أن الهواء لا يمحي شيء، فقط يحمله لمكان آخر. قد نموت جميعاً قبل الطيران بخفة، لكن هناك الكثير من الأشياء التي تنتمي إلينا تتطاير في الهواء، رذاذ العطر المفضل، الدندنة التي سلينا أنفسنا بها في الطريق الوعرة، والكلمات.. كل الكلمات التي قلناها للآخرين، فطارت ثم سكنت داخلهم إلى الأبد.

أنت أيضاً تنتظر مصادفة

لم يكن مزاجي مناسباً للرسم، لكنني حاولت، الرسم بعد يوم عمل كثيف إما أن يكون ضغطاً إضافياً أو متنفساً لطيفاً. في المرسم اجتمع الطلاب والأستاذة، النوافذ التي تطل على السماء الرمادية المتلبدة كانت تشجع على شيء واحد.. النوم، تمنيت لو كان هناك صوت للموسيقى، وبينما أفكر قامت فتاة بتشغيل أغنيات من هاتفها المحمول: “نطرونا كتير كتير.. عموقف دارينا، لا عرفنا أساميهم ولا عرفوا أسامينا، عموقف دارينا”

رغم أنها ليست من المفضلات عندي شعرت أن الأغنية لامست شغاف قلبي، دون سبب واضح. دائماً أجد نفسي أكثر تأثراً بالأغنيات التي يشغلها أحد غيري، ربما تأتيني فرصة الاستمتاع بها دون التفكير والتأثر بتقييم هذا الخيار دون غيره لي ولغيري. بقليل من التأمل اكتشفت الإنسان غالباً يحب الأشياء التي تهدى إليه دون أن يتدخل بشكل مباشر، تسحره فكرة أن الحياة تهديه شيئاً يسعده، يرق شعوره ويتفتح ذهنه لاستقبال الجمال والمعنى بكل اهتمام. قد يمر كل يوم أمام محل الورد دون أن تستهويه فكرة شراء واحدة، لكن حين يقدم إليه شخص آخر تلك الوردة (نفسها التي مر بجانبها ولم يلاحظها) يصبح تأمل الوردة والإعجاب بشكلها ورائحتها ومعانيها تصرفاً متوقعاً جداً. وكذلك الأغنيات، بإمكانك أن تستمع إلى أي واحدة ما دمت تملك هاتفاً متصلاً بالانترنت، لكن الأغنية التي تُرسل إليك، دون أن تطلب، يعادل أثرها ألف أغنية تختارها أنت لنفسك، وينسحب ذلك على كل أنواع الهدايا، خصوصاً غير المتوقعة منها.

ربما لا يعقد الإنسان كثيراً من الآمال على الحياة، لكنه يتوقع منها دائماً أن تخصه بشيء يحبه، يفرح بالمصادفات، أن يجد لونه المفضل، أن يجد على مكتبه نوع الشوكولاته المفضل، أن يلتقي بالشخص المفضل، أن يركب في مواصلات تشغل أغنيته المفضلة، وأن ينقشه أحد في مجاله المفضل، وأن تتوقف الحياة لأكثر بكثير من لحظة عند الشعور بأنها لحظته المفضلة… أنت أيضاً سواء انتبهت أم لم تنتبه تنتظر من الحياة مصادفة.

المشي في أحذية الآخرين

حين قرأت كلمة “تنزيلات” على واجهة محل الأحذية، لم أقاوم رغبتي في الدخول، فهو القسم الأكثر إغراءً لي في مواسم التخفيضات عند انتهاء الشتاء أو الصيف، حيث لا اضطر لمزاحمة الناس في الحصول على قطعة مناسبة المقاس، فما أبحث عنه هو بالتحديد الحذاء الأصغر، أي الأوفر وجوداً بعد انتهاء الزحام.
يقول لي صاحب المحل: هذا الحذاء مريح. في الحقيقة لم يكن مريحاً، حاولت، مشيت بضعة خطوات، بفردة واحدة، بفردتين، هو حقاً لا يناسبني، لكن الرجل يصر أنه مريح ومناسب تماماً، أمي أيضاً تقول لي يبدو مناسباً، هذا الموديل عملي ومناسب للركض في الأعمال اليومية.
إصرار التاجر ذكرني بكل القرارات التي يؤكد الآخرون أنها مناسبة لك، بينما أنت وحدك من سيتوجب عليك أن تخطو بهذه القرارات، ووحدك من يحكم أنها جيدة أم لا، ببساطة لأن الراحة شيء لا يمكن ملاحظته من الخارج. الراحة تستحق تقديراً أعلى من الذي نوليها إياه.
كم من المرات التي قال لك أحد فيها: لماذا لا تعمل في مكان آخر؟ ادرس هذا الاختصاص، اقبلي ذلك العريس، سافروا إلى هذه الوجهة، اصبغي شعرك بلون مختلف، تاجر بهذه البضاعة، اترك مكانك، هل يعقل أنك لا تحبين الحفلات الكبيرة؟ غيّر نمط ملابسك، لماذا لا تشترين سيارة؟
من اللطيف أن نتعامل مع القرارات والخيارات كما نتعامل مع الأحذية، سأختار هذا الخيار لأنه مناسب، لن تعرف معنى ذلك، لأن أصابعك خارجه، لأن أقدامنا مختلفة بأحجامها بأشكالها بكل شيء حتى بآلامها، فالبعض يتألم من الكعب المرتفع، والبعض الآخر يسبب الكعب الملامس للأرض آلاماً في ظهره، وكذلك البعض يستمتع بالأحذية المفتوحة بأظافر مطلية أو غير مطلية، بينما البعض يشعر أن مجرد التفكير في ذلك مدعاة للذعر.
هذا المشهد جعلني أفكر في جملة باللغة الإنجليزية “Walk a mile in my shoes” امش وأنت ترتدي حذائي، امش وأنت تفكر بعقلي، وتشعر بمشاعري، وتمر بكل مررت به، قبل أن تطلق أي حكم.
لا يتوقف الأمر على الحذاء وحده، فالخطوات أيضاً تختلف. أحب المشي حافية على الشاطئ حتى الآن، لكن حين كنت طفلة، كان يدفعني الفضول إلى تجربة خطوات الآخرين، كيف ذلك؟ عن طريق تتبع آثار الأقدام المطبوعة على الرمال الرطبة، أضع قدمي على آثار القدم ثم الثانية على الأثر الذي يليها، وأمشي قليلاً، وحقيقةً كانت الخطوات مجهدة، تجعلني أتساءل، يا إلهي كيف تبتعد هذه القدم عن الثانية بخطوة واحدة؟ أو لماذا تغرز هذه القدم بعمق أكبر وأشبه بالحفرة؟
هذه التجارب الفضولية فسرت لي لماذا يصل البعض مبكراً، والبعض يتأخر، لماذا يصل فلان بسرعة بينما أنا أنطلق بنفس التوقيت ولا أسبقه، لكن الأهم أنها فسرت لي لماذا يصل الناس إلى المحطات المهمة في حياتهم بتوقيت مختلف، لكل شخص منا مواعيد وصول مختلفة، لكل شيء في الحياة.
قد يصعب علينا اختيار الطريق، لكن على الأقل لنختر الحذاء، ونستمتع بالخطوة… لا أحد يعرف تماماً ما هي محطة الوصول التالية.

صراخ في الشارع

في اللحظة التي نويت فيها التدوين عن فكرة ببالي، فاجأني صوت صراخ وعويل من الشارع، ركضت إلى النافذة، كانت امرأة تصرخ وتبكي بعد مرور شخص على دراجة نارية سرق حقيبتها وأوقعها أرضاً وهرب.
لا أعرف هل استطاع الهرب لأن أحداً لم يجرؤ على اللحاق به؟ أم لأنه كان أسرع من أي أحد؟ وضعت يدي على قلبي، كان صراخ المرأة يخترق كل تحصينات الأمان التي أوهم نفسي أنني داخلها، تحسست حنجرتي، لولا اعتذاري عن زيارة الأقارب اليوم، كان هذا الصوت يمكن أن يكون صوتي، كان يمكن أن أكون أنا أو أمي، نفس الشارع على بعد خطوات من بوابة المنزل، يصرخ أحدهم من البلكونة اذهبي إلى الشرطة يا أختي، يرد عليه آخر بأنها لن تستفيد وعوضها على الله.
لم تكن هذه الحادثة الأولى في الحي، ولا العاشرة ولا حتى الأولى بعد الألف في المدينة.
في الظروف الاقتصادية المتردية، يتحول الناس إلى قسمين: السارق والمسروق منه، الخائف والشرس، الذئاب والنعاج. ليس من السهل الاعتراف بأن الحاضر أسود والمستقبل أكثر سواداً، أما خطط النجاة فهي وحدها التي تزداد فراغاً وبياضاً.
أتذكر هرم ماسلو، من الطبيعي أن يتزعزع الطابق الثاني منه (الأمان والسلامة) إذا اختل بناء القاعدة التي تتضمن الطعام، ذلك الذي يرتفع سعره يومياً كبورصة يومية تجعل من فكرة تأمين الوجبات البسيطة مهمة شاقة وشبه مستحيلة، مع تدني الدخل إلى مستويات لا يمكن وصف ضآلتها. لكن ما ليس طبيعياً هو أن يُطالب الإنسان أن يكون طبيعياً. تتزعزع كل طوابق الهرم، تنهدم على رؤوس الإنسان كل حاجاته، فيشعر أنها متطلبات مصنوعة من الصخر، لا يحتمل حملها.
قد يستغرب أي مراقب خارجي من فكرة أن هذه الأيام لا تقل مرارة عن أيام الرصاص والقذائف، في تلك الأيام كان الخيار بين الموت والحياة، اليوم نشعر أن الحياة بساط يسحب من تحت الناس، يوقعهم يعيق أي خطوة لهم، لكن يبقيهم عليه. سابقاً كان الخطر واضحاً له معالم وأصوات، أما الآن فالخطر في كل مكان، بدءاً من يأسك الداخلي وليس انتهاء بتوجسك من أي شيء، تخاف من الشوارع المظلمة، ومن الظلال في الشوارع المضاءة، تخاف صوت الخطوات، ومن انعدامها حولك أيضاً، تخاف من أيام الشهر لأن مرتبك الضئيل لن يصل في نهايته، تخاف من الانترنت لأنه يريك عالماً لا يشبه العالم المحيط بك، وتخاف من انقطاعه لأنه النافذة الوحيدة التي تستنشق منها بعض الوجود وبعض التسلية، تخاف من أضواء السيارات ومن أصوات الدراجات وتخاف من عدم وجودهم، تخاف من المواصلات وتخاف أن تتنقل وحدك، تخاف أن تبيع وتخاف أن تشتري، تخاف من أي شخص قد يسألك عن أي عنوان في الشارع، عند أي موقف تمر ببالك خيالات عن سرقتك أو اختطافك، هذه الأيام تجعل من كل شيء مادة خام لصناعة الخوف والقلق.
كان بودي أن أتأمل في مشهد أكثر إشراقاً، لكن الشارع كان مظلماً، والواقع كذلك.